السيد الطباطبائي ( تعريب : الشيخ السبحاني )

52

أصول الفلسفة

وقد أثار هذا الشك الخاطئ التشتت في الرأي في البلاد الغربية ، حتى ظهرت مسالك متناقضة في الفلسفة : طائفة يعتقدون بأُصول ، وطائفة ينفونها حرفاً بحرف . . . إلى عشرات من العقائد والأُصول . وههنا علّة أُخرى لظهور تلك الآراء المتبددة ، وهي فقر الغرب وعدم تجهّزه بالفلسفة الإلهية ، إذ لم يكن يوم أظهرت المادّية سلطانها فلسفة إلهية دارجة في هذه النواحي تسير مع سير العلوم وتلتئم معها في عامّة المدارج ، لأنّ الفلسفة الإسلامية لا تتخلف عن العلوم قدر أنملة ، كيف وهي تنادي بأعلى صوتها باعتبارها وتعترف بالعلل المادّية ، وتحلّل الحوادث الكونية بالعوامل الطبيعية ، وتجمع شتاتها بأُصولها وترجع فروعها إلى مبادئها ، فهي لا تنكر المادة ولا آثارها ولا الأعمال الكيمياوية ولا خواص الأجسام وآثار مركّباتها إلى غير ذلك ممّا أثبتته العلوم . وأمّا الفلسفة الإلهية الدارجة في تلك الأيام في الغرب فحدّث عنها ولا حرج ، فإنّها ضمّت الدرة إلى الذرة ، والغث بالسمين ، والصحيح بالزائف ، فجاء علبة السفاسف والمخازي والدعاوى الفارغة ، ولولا تلك الأساطير الباطلة لما تحامل المادّي بالسباب والشتم والنيل منه ، لأنّه لا يرى للإلهي الغربي ملجأً علمياً يلتجئ إليه ، ولم يفكّر في أنّ الفلسفة الإلهية الواقعية منزّهة عن لوث الشرك وحبائل الأغلاط وأنّ ما بأيدي هؤلاء المتألّهة صورة ناقصة مملوءة بالخرافات والسفاسف . قال العلّامة الفلكي « كاميل فلامريون » في تأليفه « اللَّه في الطبيعة » : إنّا نجد الإنسان المتمدّن يميل في البيئات الفكرية إلى ميلين مختلفين : نرى طائفة من المتمدّنين فرضوا على أنفسهم أن لا يسلّموا وجود شيء أو عدمه إلّا بدليل محسوس ، ووضعوا جميع المسلّمات القديمة على ميزان التحليل ،